عينيك غيم ، وعيني مسافات

 df027d146156fb709a3361ccc182ce9d

السيدة الكبيرة المطلة من دهليز منزلها ، كانت تبتسم في وجه السماء، تخبر الكون عن رضاها ، عن عمرها الذي أفاضته في الحُب ، .. ظلت في كثير من سنينها صامتة أمام مرايا الحديث ، وكلما انتهى البشر من مجادلة كلامية أو خضم من أصوات شتى ، تبقى تسمع بعينيها ، تراقب البسمة، والدهشة، والدمعة، والصرخة، والضحكة، وحركة الأيادي .. ثم تبتسم أو تترك الحديث مونولوجاً يسري في نيتها البيضاء .. وكلما صمت كل ما حولها وتقاطرت العيون عسلا لرؤيتها وهي جالسة بهدوء تحكي قصة لم تحدث لها أبداً ، فإن كل ما تقوله يمكن أن يكون نثراً ثرياً في كل صحف القلوب ..

حين تقول في الهاتف : “متى تعود يا حبيبي؟”

فإن قبيلة من نور تلفه .. حين يأتي

وحين تمد خُطوة إلى الباحة لزيارة جارتها

نُصبح كلنا أرصفة من غَيم

وحين تمد يديها .. نتحول كلنا إلى كفوف

نهون لأجلها .. نظل نمسح على رجليها المتيبستان ساااعاااات ..

هي حين تقول “لا” لكوب ماء نمده لها .. تحرضنا لسؤالها مئات المرات

هي من إلتصاق القلب فيها .. أضمها في اليوم الواحد أكثر من أعداد الأسماء في المكان ، وأعمق من لوني

هي الحب القائم في زاوية ، والجالس بإبتسامة ، و الماضي فينا خوفاً من فقدانها

 

إنها الجدة العمياء ، الجالسة قربي ، والملتحفة بشال أخضر أهديتها إياه قبل يومين ، تضحك لأول مرة من بعد خمسة أيام

ثم تتوقف عن الضحك فجأة

–         تسألني “من أنتي؟”  آلاف المرات

–         أخبرها أنا “صفاء” .. وتصمت ، لا تعرفني أبداً .. وأبدأ في مسح قدميها

–         “زوجة من؟” ..

–         “زوجة حبيبك ، حفيدك الصغير”

–         … “امممم” .. “أخبريه يأخذني إلى منزل ابنتي”

–         “هذا منزل ابنتك أُماه”

–         “لا .. ليس هو” .. تنهض من سريرها “خذيني بيت ابنتي”

نمشي خطوات صغيرة، هادئة، متقاربة، طفولية، .. نخرج من فيلا ابنتها إلى فيلتي المجاورة

–         “وصلنا سريعا” .. “منزل ابنتي جداً قريب”

–         “أجل وصلنا”

–         “أنتِ من؟”

أنا “صفاء” .. أحضن كفك إليّ ، أٌقبله ، أغمض عيني وأنا أتذكر القصة حين نزل ابنك من الطائرة باكيا يقودك وهو يخبر الجميع أنه أخذك لعلاج عينيك ، لكنك فقدتي فيهما بصرك بأكمله ، .. تهبط دمعة مني ، فيما في الداخل قلبي يجهش بالبكاء!

مسقط / 5 ديسمبر 2013

 

3 thoughts on “عينيك غيم ، وعيني مسافات

  1. ياله من عنوان
    عينيك غيم .. وعيني مسافات
    لربما اراد القدر ان تكوني لها
    النور والعين والكفوف
    ابدعتي

    Like

  2. يوميات دكتورة متدربة تستحق ان تكون في كتاب لما لها من اسلوب راقي جميل وسرد مميز – تستحق ذلك صفاء

    Like

هذا الزقاق حائطك .. قُل ما تشاء لرؤياك هُنا

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s