سيرة عادية جداً


( مسقطُ كتفي )

كان طفلها العاشر ( أحمد ) الذي قررت أن يكون الأخير .. أخبرت طبيبة النساء بذلك … لذلك خضعت لعملية تقتل فيها كل الفرص أن تحمل بعده .. أحبت أحمد جداً ، دللتهُ ، اشترت له ما يساوي شرائها لأطفالها التسعة السابقين في كل الأربعة عشر عاماً معاً .. أخبرت زوجها أن يصمم له النجار خزانة بطول الأربعة أمتار برفين .. وملأتها بكل ألعابه .. إبتاعت كاميرا لأول مرة ، وبدأت تصور كل حركاته ، أرته لكل أقربائها .. يقولون أن من أحب شيئاً وأظهر جماله سيرى الآخرين السماء الصافية منه ، وسينبهرون به .. ويقولون أيضاً افعل الشيء الصحيح فإن ذلك يجعل البعض ممتناً بينما يندهش الباقيين .. وكانت هي تفعل بالحب العميق له الشيء الصحيح لذلك امتن زوجها لما تفعل بالطفل الذي يشبهه ، ومن هناك أيضاً أحبت النساء جماله وامتلاء جسمه وابتسامه حين يغمض عينيه بقوة وهو يضحك ..
وفي لحظة وهي وحدها في عام 1987م حيث لا تتوقع شيئاً آخر في الدنيا ، طرقتُ أنا جدار رحمها الداخلي طرقتين .. فتناقلت أنسجتها الصوت من الداخل إلى حدود مستقبلات حسها ووصلت إلى حدود تنبيها أن شيئاً داخلها .. خافت .. اختلطت عليها اللحظة والماضي .. فحاولت أن تفرغ الفكرة ، حاولت أن تقنع نفسها أن كل الإشارات في أنها تحمل طفلاً لا تشبه الإشارات لكل أطفالها العشرة السابقيين ، حاولت أن تذهب إلى الطبيبة نفسها قبل ستة شهور بدون أن تضحك .. حاولت أن تخلع رأسها من مكانه وترمي كل الذي به ثم تعيده مكانه … لكنني ببساطة طرقت طرقتين أخرتين من غرفتي داخلها فتساطقت كل الأفكار وحدها وهي واقفة في غرفة الطبيبة ثم ولّت بصمت تنمو الفراغات فوق عُلية رأسها من بياض المستشفى وهي تزرع بأقدامها قصة لم تكن لتحدث أبداً ..
حاولت أن أخبرها أن كُن وصلتني من إلهي .. فكٌنت ..
حاولت أن أقنعها أن هناك فتحة لم يسدوها حين أجروا عملية قطع الرحم فدخلت منها
حاولت أن أعدها بأني طفلة جميلة .. وأني سأخبر القدر أن يجعلني أشبهها .. وأني سأنذر بمستقبلي أن يكون ناجحاً جدأ فتفرح كلما جئت رقماً يرافقها دائماً في ترتيبي (11) في العائلة
لكنها لم تكن لتقتنع .. كانت لا تودني وكفى.
في الشهر الأول .. تشبثت بها جداً .. رغم أنها لم تعرني إهتماماً
في الشهر الثاني .. بدأ لوني الأحادي يتكاثر إلى ألوان أخرى
في الشهر الثالث .. بدأت تنمو نتوءات على ظهري ، وتتكون لي عينين متباعدتين وشفة منقسمة وأصابع غير متفرقة .. كان شهراً مخيفاً جداً وشاهقاً بالمفاجآت جداً ، ومذهلاً جداً
في الشهر الرابع .. بدأتُ أفرح بكل الأعضاء الأساسية التي تظهر من اللاشي داخلي
في الشهر الخامس .. تأكدت هي أني سأحلُ على حياتها ككل شيء لا تريده ويحدث ، ولأنها كانت أمرأة عنيدة جداً ، هذا الشي الذي لا تحبه من البداية لن تحبه طوال عمرها .. كنت أسمع صوتها كالموسيقى .. لكنها كانت مقاطع قصيرة جداً . فأدركت أن أمي من نوع النساء القليل الكلام وأنه يمكننا أن نتحدث بالصمت كثيراً
في الشهر السادس .. أصيبت بالحساسية في الطبقة الثانية من جلدها ، أخبروها أن الشمس لن تحرق جلدها الأبيض فقط ، بل سيكون جسدها ذات ردود انفعالية حادة إن تعرض إلى شيء لا يريده .. اقتنعت أمي أن كل هذا التعب بسببي .. واقتنعت أكثر أنني سأكون ابنة مؤذية ، تدخلُ في حياة الآخر كأمر طبيعي لكنها تقلب حياته وتفككها لها في الأخير
في الشهر السابع .. بدأت تتعالج في الإمارات لحساسيتها ، لأن جسدها أصبح لا يريد معظم أنواع الأطعمة أيضاً ، كانت تسافر مع أبي كل اثنين تمد ذراعيها للأمام وممرضتين يأخذن من كل ذراع 10 عينات من جلدها ودمها وما يتوفر .. لكنهم أخبروها بعد ذلك أنه لا علاج لمرضها .. وأنها لا بد أن تمتنع عن كل الأطعمة ما عدا الخضار ذات اللون الأخضر والأبيض فقط .. ومن الفواكة التفاح فقط .. ولا بد أن تتناول طعاماً بلا إضافات أبداً وأن لا تخرج للخارج إلا بعد غروب الشمس
في الشهر الثامن .. عرفتُ أنني لن أتذوق شيئاً مختلفاً .. لكن أظافري وشعري بدءا بالنمو بشكل جميل لإكثار أمي من أكل الخَس
في الشهر التاسع .. زاد وزن أمي بشكل كبير .. ورغم ذلك لم يكفني المكان .. فأخبرت أمي أني مستعدة أن أخرج للحياة الكبيرة بكل ما فيها لا تهمني سعة القلوب من ضيقها ، لا يهمني ما يحدث للآخرين فيها ، ولعل ما فتح لها عينيها أني سأكفُ عن إزعاجها في كل حياتها ولن أؤذيها أبداً ، وأني بالأنا سأعيش أنا ، سأكون مختلفة جداً عنها حتى لأ أذكرها أني جئت قهراً على حياتها فتتضايق من نفسها ، أقنعتها أني أختنق صباحاً ، تناقلها أبي من ذراعها اليُسرى ، كان قلبي يساير قلبيهما وهما يجريان بالنبض ، وحين بقيت أنتظر بهدوء أول الضوء .. ظنت أمي أني ألعب معها مُزحة غبية فقررت أن تعود المنزل..!
حاول أبي أن يقنعها أن تبقى .. وحاولت الممرضات أن تعيدها إلى سريرها .. وحين عرفتُ أنها ستحمل ملابسي الصغيرة معها وقبعتي البيضاء الأولى وتعود ، بدأت أمسح عليها بحركات مرتبة .. تفاجأت هي من طيبتي وقررت أن تلدني
وحين حاولوا أ ن يخبروها أني طفلة سمينة جداً وأني أحتاج عملية ، رفضت ، قالت لن تكون مختلفة عن أخوتها مثلما تريد .. كنت خائفة من الاختناق حتى سمعتها تقرأ القرآن كثيراً بلا توقف حتى جاءني ملكين من اليمين ومن الشمال ، وأخبراني أن الله يطلب مني أن أسجد ، فسجدتُ وكفي الأيسر يتقدم كل شيء ، رأته إحدى الممرضات الهنديات فسحبتني بقوة وصرختُ أول صرخة بالألم ، كانت كل ما فعلته الممرضة أنها خلعت كتفي من مكانه تماما ..!

الأربعاء
5/1/2011

***

( مومياء صغيرة )

قطعوا الحبل السري .. فقطعوا الجسر الوحيد بيني وبين أمي الذي كنتُ سأسحبني إليها لو ذليلة لتحبني

كان جسراً من فقدها ينمو من كل الأشياء حولي

ولم تكن دهشة حين عرفت أني سانفصل ، فصوت أمي والبشر حولها وأنا داخلها لم يخبرني أن أجساد البشر متصلة ببعضها ، فأمي كانت تتنقل وحدها كثيراً بلا صوت معها غير نفسها وهي تغني وتُسقط ملاعق الطبخ كل يوم من يدها

الدهشة أني شعرت بألم كتفي حين خُلع .. ولم أشعر بحدّة المقص وهو يجرحني من أمي ..!

لأي درجة تصفعني الحياة بأبجديتها الأولى أن ألامنا الداخلية لا أحد يراها سوانا ..؟

كنتُ أصرخ .. وكان صداي من أصواتهم يُرد بالصمت واللامبالاة ..

كنتُ أصرخ .. وكانت يديّ الممرضة التي أفلتتني من بطن أمي تُقلبني من كتفي .. وترميني في الميزان البارد وتقول وزنها 4.2 كيلوهات .. وتبتسم .. ثم تصرخ “هي تبكي بحدة إذا هي تتنفس ورئتاها جيدتان جداً”

أمي كانت بصحة جيدة .. أنا كنت ما أزال أصرخ بشدة ، وأبرد كلما أنزلوني من حرارة الألم وهم يتناقلونني .. أمي كانت تراقب أي الشخصيات أنا منذ لحظتي الأولى في حضنها .. كان بحضنها يخبرني أيضاً أنها تقول أني مزعجة ، كانت ترضعني وتتركني في السرير الشفاف وتغطي أذني بكمتي البيضاء وتحملني كلما بكيت مرة أخرى ..

أبي مر علي بآذانه ، وأخوتي العشر كل واحد منهم حملني ألماً حادً في كتفي ، وصفوني بـ “الصيّاحة” ، وحين جاءت جدتي عرفت أنها امرأة حكيمة ، لها احترام الملك ، والوقت يصبح ملكها حين تعبر أو تحكي أو تحرك إصبعها تهدد ، أدخلت إبهامها بتمرة إلى عُلية حنجرتي ، وتركت لي نافذة كبيرة للبُكاء ، وعبوراً أكبر للصراخ ..

الأشياء المتحركة حولي والأضواء بدت مزعجة بتشويشها كلما فتحت عينيّ ، فأغمضهما ، لأن كل الأشياء كانت بعيدة عني جداً أو قريبة جداً

في ليلتي الأولى تنام أمي من إرهاقها وزهقها من رائحة المستشفى ونساء المستشفى والأهالي كلهم .. وظللت أنا مفتوحة العينين ، وحيدة غريبة متألمة ، لا شي يلامسني غير الإفلاس العاطفي والألم .. كلما بكيت ، أرضعتني أمي وعادت للنوم ، حتى في الأخير فجراً أخذتني في حضنها وأنا أصرخ بقوة ليدي المنفلتة .. أخذت لحظة صمت أمي إلى اكتشافها ، أخذت ترفعني وتتركني على السرير باستمرار ، حتى اكتشفت أن هناك خطأً في بُكاءي ، وأن ملامستها لي تؤلمني

نادت على الممرضات ذات القبعات المصفرة بزيوت شعورهن ، أخبرتهن أن ينقلن حالتي إلى الدكتورة ، رفضن حتى توجهت إليها بتعبها تسلمني إياها … تسلمتني الدكتورة ثم أعادتني إلى أمي ، تخبرها أني طفلة جيدة

لم تتحدث أمي وقتها .. صمتت ، ثم ضمتني بهدوء أسفل حضنها لأول مرة ، نامت .. وظللت أنا أمسح ببطء وجهي في دفئها .. كان جسرنا قويا تلك اللحظة الغائبة عن الكل لأول مرة.

في اليوم الثاني لي وأنا أنظر للسقف القديم للمستشفى ، وأمي لتوها تستيقظ على نشاز الدكتورة الهندية وهي تُرخصها من سريرها وأمي ترفض وتكرر “ابنتي فيها شيء خاطئ” ، وكلتاهما تتفقداني في حالة إنهيار جسدي ، تسرع بي الدكتورة لغرفة العلاج

أغرزتني الإبر ، سحبت ممرضتين لي دمي ، وتناقلوني بين أجنحة المستشفى بعنق الحامل للمغذي الذي يقطر في مجرى دمي وأمي خلفي انتهى وقتها كل حديثها وهي تشد أعصابها

وحين صوروا غضاريفي كلها التي بدأت في مشوار التحول للعظام قبل يوم ، تناقلت نظراتهم الخبر لي ، وأنا كنتُ أعلي الصوت “أخيراً .. الحمدلله” لولا أن الكلام كان داخلي طفلاً لم يكمل رضاعته

امتلكت أمي سريرها من جديد .. وملكوني إياها مومياء بيضاء صغيرة لا يتحرك فيها شيء إلا عيناها.

بعد مرور شهر واحد .. كان لا قميص لي إلا كفني الأبيض .. أسموني “صفاء” باتفاق أمي وأبي واقتداءً بوزن مَن مر مِن أسماء أخوان وأخوات ، وأصبحت لي حفلة في اليوم الأربعين غطوا قدماي عشوائيا بالحناء ، وغنت الحريم ، وطبعت نقطة ذات رائحة سيئة بين حاجبي ، تجعلني أقرص أنفي باستمرار

وحين بلغت شهرين .. عرفت أن العالم ليس ملون مثل ما يقولون .. كنت أعرف جداً أن العالم حولي أبيض وأسود.

وبعد نص شهر آخر .. تذكر والدي أنه لم يوثق لي يوم ميلاد ، فلم يثقوا في أي من ذاكرتهم .. قيل أنني ولدتُ بين الثالث عشر والخامس عشر من شهر آب ، فسجلت 14 / 8 / 1988

في الشهر الثالث .. كنت طفلة سمينة تأكل فقط دون حركة .. لا يحملها سوى أمها وقليلاً أبوها ،

أبوها الذي لم تأخذ منه لا عينيه ولا بشرته ولا شعره .. لم تأخذ سوى أنفه المستقيمة التي لم تحبها ، أشتاقت أن يكون لها عينيه الخضراوين المائلتين نحو السماء ، عينيه التي أرتها أن العالم ليس ثنائي الضوء والعتمة ، العالم القزحي ، العالم الذي يعبر عن نفسه بالألوان ، العالم الذي يجعلني أتخلص من كفني الأبيض الصغير وأعيش الحياة بألوانها.

الأحد

6/3/2011

 

( عينٌ لا تنام )

أزيل الكفن عن جسدي الصغير ، لم أنكر تحية إلى اللقاء معه ، لكنني أنكرت الوداع..
أمي ابتسمت كالغيمات العابرات فوق السماء التي رأيتها مرة واحدة فقط وأنا أنقل من المشفى إلى منزلنا الصغير القاطن على زاوية مزرعة كبيرة ، بها بركة سباحة تحيط بها النخيل والأغصان ، ويعبر داخل ساحته الأمامية جدول ماء صبحاً ومساء..
كان كتفي الأيسر ما زال يقسو على طريقة التفاهم التي أحاولها معه ، أكيد أن المخاوف والشكوك اعتمرتهن عن عدم قدرتي لاستخدام يدي باتقان كاليمنى ، أمي اكتشفت انني يمينية العمل ، حين مدت لي غصناً وأستلمتُه منها بأصابعي اليٌمنى ، وحين أرادت أن تتأكد ، أخبرت أخوتي الستة الأكبر أن يناولونني أي شي خفيف يمكنني تحمله بيد واحده، وكنت أتناوله باليمين ، وكالنبي إبراهيم عليه السلام الذي حمل أربعة طيور وقطع كل طير وجعل كل جزء في جبل فعادت الطيور حية بقدرة المولى عزّ وتعالى .. قالت أمي ياربي أدرك أنها بخير لكن ليطمئن قلبي ، لم تقطع ذراعي وترميها إلى الكلاب طبعاً ثم تنتظرها أن تعود ، لكن أبي حين عاد ذاك اليوم في الواحدة بعد منتصف الليل من العمل مهلوكاً بصراً وجسداً ، ألحت عليه أمي أن يناولني مفتاح سيارته لتطمأن كيقين أخير أنني يمينية ، وحين اقتنع والدي وحمل كل تعبه وحبسه خلف حاجز صبره ، جلسا فوقي ينظران وأنا أُحرك عيني بينهما يميناً ويساراً ، أبي كان يبتسم ، أمي كانت تنتظر بحماسة وقلق و لا تبتسم ، مدّ لي بأصابعه الطويلة المفتاح .. فتناولتهُ باليسار!
أمي توقفت عن الحركة والتنفس في لحظة صمت ، أبي أدرك أن أحدنا افتعل خطأ ، إما أنا التي استلمت المفتاح باليد الخطأ ، أو هو الذي كان لا بد أن يوجهه قريباً من يُمناي
– ماذا؟! … سأل أمي
– إن كانت يسارية هذا يعني أن علي أن أدربها على يُمناها ، وهذا ما سيمنعها من إتقان أعمالها فيما بعد
– البنت صغيرة .. “خليها بحالها”
طلبت منه أن يكرر إعطائي المفتاح مرة أخرى ، لكنه نظر إليها صامتاً وذهب لينام .. أما أمي بقت تُقلّم أظافري ، وهي تفكر في يدي ، وتفكر في حركتها وأنا ألعب ، وأنا أكتب وأنا أغسل الأواني وأخيط! .. حتى قرضت بمقص الأظافر طرف إصبعي السبابة ونزف الدم .. فصرخت واستيقظ أبي جالساً على سريره يردد “لا حول ولا قوة إلا بالله .. لا حول ولا قوة إلا بالله”

لم أتوقف عن البكاء أسبوعين من كتفي ، أمي كانت تعتصرني بينها لتقتل الألم ، وحين بدأت أعتصر نفسي وهي تغدو بعيدة عني رأتني إمرأة ثلاثينية اعتدت وجودها حولنا ، لم تكن امرأة تترابط دماً معنا ، ولم تكن جارة قريبة ، ولم تكن سيدة ، كانت آنسة رفضت الزواج واختارت أن تعين أمي كلما استطاعت ، ولم تكن تمانع أن تبقى وأبي موجود ، كانت تختلط مع تفاصيل الإحدى عشر رقماً وأمه وأبوه وكل تفرعاته
قالت أن بي مغص في بطني ، والديّ وافقاها ، حاولت أن أشير بيُمناي إلى أن كتفي المخلوع ما زال في عرش وجعه ، إلا أني حين رفعت كفي الأيمن أخذتني الرهبة وأنا أرى كفي الصغيرة وهي تعزف في الهواء بأصابعها ، ولا تفهم كيف لا تستطيع أن تضمها جيداً وتشير بسبابتها فقط كما يستطيع كل أخوتها..!
تذكرت حديثاً كان يقيمه أبي كثيراً عن أختي الكبيرة التي توفت بعد ولادتها بأسابيع ..
كانت لا تضم أصابع يديها كالرُضع| مثلي!،
ولا تستطيع أن تُحرك كل أطرافها | ككتفي المخلوع! ،
وتبكي طوال الوقت | وهل البكاء يتشابه؟! ، أليس البكاء بصمة لا تنطبق مع الآخرين أسبابه ولا درجاته ولا ملوحته ولا نياته ولا حجم المليمترات من دموعه؟
وماتت ..! ، فهل أنا …؟
جاريت صُراخي ، وافتعلت الكح ، وتشبثتُ بقوة على كتف والدي وتقيأتُ عليه ، ورضيت أن يكون بطني هو علتي ، كنت أشتاق تلك الطبيبة الهندية لحظتها جداً ..
.. لكن، ما حملوني إليه هو ليس طبيباً يلبس الأبيض فتدرك من نصاعته أنه مهتم ومرتب وذكي ، حملوني إلى امرأة عجوز تلبس ألواناً كثيرة تتشاجر مع بعضها ، وتقطن وسط جبل عظيم!
– هل هذه هي المرأه التي شُفي عليها ابنك مازن؟ (سأل أبي)
بدت أمي تتفحص العجوز ، لم تكن قبل سبعة أعوام تحفظ من الأمل فيها سوى إنحناءة قامتها وسط الأشجار وهي تخبرها أن سر شفاء ابنها على يديها .. أمي كانت يائسة قبلها من المرض الذي انتشر في الأطفال حديثي الولادة وهم يموتون به ، تلين به الجماجم الصغيرة كالإسفنج ، وتسقط الأطراف الأربعة في لحظة غيبية ، ويسكن الجسد كالموت القابض على طعنة بطيئة في القلب ..
– لا أذكر (تذكرت أمي التعب، ولون اليأس، وفتات الأمل تذروه قلة الحيّل)
كنت أود أن أخبرهما أن الألم لا يقبل رأي واحد متأرجح على امرأة لا أفهم وجودها على حياتكما ، كنت أود أن أزرع داخل روح أمي أنه ليس لكل عقدة حل واحد ، لكن لكل عائق حلول عديدة..
بدأت تسخن ( ) الذي لا اعرف اسمه على جمر في نفس الغرفة ، ثم مددتني أمامها في الحصير المزعج بإنثناءاته، ووضعت أربعة من أصابعها المتشققة والعالقة بالحناء البرتقالي على جلدي الطري حول السُرة ، حددت البوصلة ثم جاءت بالـ ( )
أمسك أبي بكفه الكبيرة وحدها قدماي معاً ، وتولت أمي في كل يد منها تُصلب ذراعاي،
أذابت العجوز بشياطين الطرف المدوّر قطعة جلد أولى فانفجرتُ صراخاً ، ثم تركت ( ) في النار مجدداً وانتظرت دقائق وغرزتها في القطعة رقم اثنان وصرخت مجدداً ، ثم كررت للثالثة والرابعة ، وحفرت أربعة دوائر حمراء ومتقرحة على جلدي .. كانت العجوز تسممني!

لم أكن أفهم الشعور ذاك ، قد كان أفظع من ألم ..
لم أعرف كيف أخرج البكاء وحده .. فرغ البكاء ، واللكمات والمشادات والنظرات والتهديد وبدأت روحي تفرغ مخزونها من اختلاجات وسكون وأمنيات وراحات مؤجلة لحديث موجع قادم بعيد .. خفت أن أجف ، فصمتُ .. وبقت بُحة النَفَس..
كانت أمي قد اختصرت كل اللاستيعاب مني من لا يبالي بعذاب الله يتوعده ، حين قالت :
– أعوذ بالله من نار جهنم

الجمعة

26/8/2011

 

27 thoughts on “سيرة عادية جداً

  1. Pingback: سيرة عادية جداً | حانة الأوجاع

  2. تخلل قرائتي التقطيب وفي حالات ترتفع حاجباي بدهشة , سيرة درامية لا اعتيادية وموهبة تصويرية عظيمة إلا أن درجة العزل حجبت عنا ما بعد إرتكاب الهندية لإقتلاع كتفك :$

    – عساها – الحادية عشر- من مواليد السعادة يا أمّها ()

    Like

  3. الأخت الفاضلة :: صفاء الدغيشي ::
    أسعد الله أوقاتك بكل خير
    أخشى أن كلمة رائعة لا تفي لوصف هذه القصة
    حبكة رائعة
    وأسلوب جميل ومشوق
    بدون مجاملة قصة متألقة
    لكن لي ملحظ بسيط
    أن الخاتمة تمنيتها تكون بروعة القصة
    ومع هذا قلمك يستحق النشر والمتابعة
    أعطر التحايا

    Like

  4. بَعثر هذا النَص مشاعري تماماَ ، و جعل الحَنين يَصل إلى مرحلة الآنهاية
    الإنْزلاق إلى حُفر الشَوق دون الرجُوع مُجدداَ إلى العقل ،
    أنْ أجنَّ دون أنْ أعالجْ . .

    Like

  5. ( وأني بالأنا سأعيش أنا )
    أُقَدر أناتك التي تجرني إلى أعماقك بلا صوت ،

    متابعة صامتة لنبض قلبك ..
    وما كتبته أنطقني : )

    Like

  6. ما شاء الله
    أبدعت أناملك الذهبية أختي
    ليس غريبا عليك

    أنت تتميزين بسعة خيال لا توصف
    كلماتك قوية تنم عن كثرة قراءاتك الأدبية

    أذكر عندما كنا صغارا كنت تحكين لي قصصا تختلقينها ولكن العجيب أن القصص كانت تجعلني أعيش الأحداث العصيبة لدرجة الخوف

    متميزة بطبعك أختي
    رعاك الله

    Like

  7. هي الدهشة تسمر افكاري ..
    أكتفي بهذا ..
    فالمبدعون نغمطهم حقهم لو وصفنا إبداعهم..

    بوووووووووووووووركت

    Like

  8. Pingback: مومياء صغيرة | سيرة عادية جداً | حانة الأوجاع

  9. لِلأسفْ…تتشربْ فينا تِلكَ الأحاسيس المكنونة في أقدارنا نحنُ كُلما نونينا أنْ نُرهقُ أنفسنا بنسيان أوصالها المعقودة في أقصى يومنا الروتيني على أية حالْ!!
    طِبتي أختي وتذكري بأن الله لم ينتزعْ يداً قد احتجتها في حاضركِ اليومْ إلا لحكمة:-)
    أكملي وارهقي قلمكِ المحتضن، بين أصاعكِ المبدعة فكثيرون لا يمتكون ما تملكيه!
    /
    *
    /

    Like

  10. بعد ان قرأت ذلك

    أتمنى تعيشي بعدها في جنـــــة الخــــلد

    لك ودي ..

    Like

  11. متابع بصمت اظنه مل مني هذه اللحظة…!
    لا ينقطع سيل صفآءك يا دكتورة…

    Like

  12. Pingback: عينٌ لا تنام | سيرة عادية جداً | « حَانَةْ الأَوْجَاعْ

هذا الزقاق حائطك .. قُل ما تشاء لرؤياك هُنا

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s